سبعة وأربعون عامًا من الثورة الإسلامية: صمودٌ يتجدّد وقوةٌ تتصاعد رغم المؤامرات والحرب المركّبة

إنّ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام ألفٍ وتسعمائةٍ وتسعةٍ وسبعين شكّل منعطفًا حاسمًا في تاريخ إيران المعاصر؛ حدثٌ استند إلى إرادة شعبية وقيادة دينية–سياسية، فأطاح بالنظام الملكي التابع ورسّخ مسار «الاستقلال، الحرية، الجمهورية الإسلامية». غير أنّ السنوات الأولى التي أعقبت هذا الانتصار شهدت موجةً من المؤامرات والضغوط ضد الجمهورية الإسلامية: من زعزعة الأمن الداخلي وإثارة الخلافات القومية والسياسية، إلى عمليات الاغتيال المنظّمة ومحاولات شلّ مؤسسات الدولة الناشئة. وإلى جانب ذلك، بدأ منذ البداية الضغط الخارجي ومحاولات عزل إيران دبلوماسيًا ضمن مشروع احتواء الثورة، لأنّ استقلال القرار الإيراني وضع مصالح القوى المهيمنة أمام تحدٍّ مباشر.
وتواصل هذا المسار في السنوات اللاحقة واتّخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، ولا سيّما من جانب الكيان الصهيوني الذي يرى في خطاب المقاومة ودعم إيران للشعب الفلسطيني تعارضًا جوهريًا مع طبيعة وجوده وسياساته. وعلى امتداد العقود التالية للثورة، تحوّلت العقوبات الغربية الواسعة الاقتصادية والمالية، وتقييد صادرات النفط، وإغلاق القنوات المصرفية، والضغط على الشركات والدول الأخرى لقطع التعاون مع إيران، إلى أدواتٍ دائمة في المواجهة. وبالتوازي، تصاعدت الحرب الإعلامية ومحاولات صناعة صورةٍ سلبية عن إيران في الرأي العام العالمي، حتى بات كلّ تقدّمٍ علمي أو دفاعي تحقّقه إيران ذريعةً لعقوباتٍ جديدة وضغوطٍ سياسية إضافية، في وقتٍ لم يتوقف فيه الغرب وحليفه الصهيوني عن التدخلات الإقليمية وتطبيق المعايير المزدوجة.
واليوم، ونحن على أعتاب الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، تتجسّد المواجهة مع الجمهورية الإسلامية بأوضح صورها في إطار الحرب المركّبة؛ وهي حرب متعددة الطبقات تتجاوز العقوبات والضغط الاقتصادي لتستهدف في آنٍ واحد المجالات الإعلامية والسيبرانية والأمنية والمعرفية. وفي السنوات الأخيرة، سعت مشاريع «زعزعة الاستقرار» عبر شبكاتٍ إعلامية وعملياتٍ نفسية واستغلال الفضاء الرقمي إلى تعميق الفجوات الاجتماعية وإضعاف الأمل العام؛ وقد برزت في أحداث الشغب الأخيرة ملامح دور غرف العمليات الإعلامية الخارجية في التحريض وتوجيه السرديات. وفي الوقت نفسه، استمرت العقوبات، وتجدّد الضغط على المبادلات المالية والتجارة الخارجية، بل تحوّلت قضايا إنسانية ودوائية أحيانًا إلى رهائن لهذه السياسات. والهدف واضح: استنزاف القدرة الوطنية، وإنتاج السخط، ومنع إيران من أداء دور مستقل إقليميًا ودوليًا.
ومع ذلك، فإن تجربة سبعة وأربعين عامًا الماضية تثبت أنّ الجمهورية الإسلامية لم تُشلّ، بل أصبحت أكثر قوةً في أبعادٍ متعددة. فإيران اليوم تحتل موقعًا بارزًا في العديد من المجالات العلمية والتكنولوجية؛ إذ تُظهر المؤشرات الدولية أنّها خلال السنوات الأخيرة حققت حضورًا متقدمًا في الإنتاج العلمي على مستوى المنطقة، وتقدمت في مجالات مثل تقنيات النانو والتكنولوجيا الحيوية ضمن الدول الرائدة إقليميًا. وعلى الصعيد الدفاعي، أسهم تطوير منظومة الردع وبناء القدرات المحلية في مجالاتٍ واسعة من التقنيات العسكرية في رفع جاهزية إيران وقدرتها على الاستجابة. وفي ميدان التعاون الإقليمي، عززت إيران علاقاتها مع الجوار ووسّعت أطر التعاون مع الدول الإسلامية، بما رفع من ثقلها الجيوسياسي. كما تمتلك إيران من حيث السكان أكثر من خمسةٍ وثمانين مليون نسمة بما يشكل قاعدة بشرية وسوقًا داخلية كبيرة، ومن حيث الموارد الطبيعية واحدةً من أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، وهي عناصر تمنحها قدرات استراتيجية معتبرة. وخلاصة القول إنّ الثورة الإسلامية، رغم الضغوط والعداوات المتواصلة، تمضي اليوم أكثر خبرةً وتنظيمًا وقدرةً، مستندةً إلى شعبها وإمكاناتها الوطنية، وبعزمٍ أشدّ على طريق الاستقلال والتقدم.
ابوالفضل کریمی
مستشار السفاره الجمهوریه الاسلامیه الایرانیه فی نواکشوط



