محلي

*”لعنة الثروات”*

 

في موريتانيا لا تحتاج أن تسأل عن الخير أين هو. يكفي أن تقف على شاطئ نواذيبو لتشم رائحة أطنان السمك التي تغادر يومياً نحو الخارج، أو تمر بمناجم ازويرات لترى قطارات الحديد الطويلة وهي تشق الصحراء محملة بثروة تقدر بالمليارات، أو تجلس في سوق المواشي لترى آلاف الرؤوس التي تصدّر حية إلى الجيران، أو تسمع عن مناطق الشمال التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى ورش مفتوحة للتنقيب عن الذهب. المفارقة أن هذا البلد الغني بكل شيء، هو نفسه البلد الذي يشتكي أبناؤه من غلاء كل شيء.

تمتلك موريتانيا 754 كيلومتراً من الواجهة الأطلسية تصنف ضمن أغنى المناطق السمكية في العالم. توقع الاتفاقيات مع الأساطيل الأجنبية سنوياً وتدر خزينة الدولة مئات الملايين من الدولارات، وتصدر البلاد أكثر من 600 مليون دولار من المنتجات البحرية كل عام. لكن عد إلى أسواق نواكشوط والزويرات وكيفة، واسأل عن سعر كيلو السمك الأبيض. ستسمع رقماً يتجاوز ألفي أوقية. أما المواطن البسيط فخياره غالباً هو السردين المجمد المستورد، رغم أنه يسكن على بعد أمتار من المحيط. السمك يخرج خاماً، ويعود إلينا معلباً ومجمداً وبفاتورة مضاعفة، لأننا لم نبن مصانع تعليب ولا أسطول صيد وطنياً قادراً على المنافسة ولا شبكة تبريد توصل المنتج من الشاطئ إلى المائدة.

وفي الداخل الصورة لا تختلف. ترعى في أرض موريتانيا أكثر من 23 مليون رأس من الإبل والبقر والغنم. بلد رعوي بامتياز كان يفترض أن تكون اللحوم فيه في متناول الجميع. لكن اليوم تجاوز سعر الكيلو 4000 أوقية في كثير من الأسواق. بين السبب غياب المجازر العصرية وسلاسل النقل المبردة وهيمنة السماسرة، وبين قرار التصدير الذي يرفع العرض من السوق المحلية. النتيجة أن الراعي يبيع بسعر زهيد، والمستهلك يشتري بسعر مرتفع، والثروة تضيع في المنتصف.

أما تحت الأرض فالحكاية أثقل. شركة اسنيم وحدها تصدر ملايين الأطنان من الحديد سنوياً من قلب الصحراء، وتعتبر من أكبر الشركات الوطنية وأهم روافد الميزانية. وفي السنوات العشر الأخيرة انفجرت “حمى الذهب” في تيرس الزمور وإنشيري والحوض الشرقي. ملايين الموريتانيين تركوا كل شيء وحملوا المعاول بحثاً عن “الغبرة”. شركات كبرى وأهلية تستخرج يومياً كميات تقدر بالكيلوغرامات وتصدر للخارج. العائدات بالمليارات، لكن الذهب يخرج خاماً أيضاً. لا مصفاة وطنية، لا صناعة حلي، لا احتياطي يعزز العملة. الأرباح الكبرى تذهب لشركات أجنبية ووسطاء، بينما مناطق التنقيب نفسها بلا ماء ولا كهرباء ولا مستشفيات، والشاب الذي يحفر بأظافره يعود لبيته خالي الوفاض في أغلب الأحيان.

هذه ليست مصادفة. هذه “لعنة الثروات” بصيغتها الموريتانية. لعنة لا علاقة لها بنقص الموارد بل بطريقة إدارتها. اقتصادنا لا يزال اقتصاد تصدير خام، نبيع ما في باطن الأرض وما في البحر وما يرعى في المراعي كما هو، ونشتريه لاحقاً بقيمة مضافة صنعها غيرنا. وعائدات هذه الثروات بدل أن تتحول إلى بنية تحتية ومصانع ووظائف تخفض كلفة المعيشة، تذوب في التسيير وسداد الديون وفي مشاريع لا يلمس المواطن أثرها.

الخلاصة موجعة لكنها واضحة. موريتانيا لا تعاني من فقر، بل من سوء توزيع ومن غياب رؤية تحول الموارد إلى تنمية. لا يعقل أن يكون بلد مصدراً للسمك واللحوم والمعادن والذهب ثم تكون أسواقه من الأغلى في المنطقة. كسر هذه اللعنة لا يحتاج إلى اكتشاف ثروة جديدة، بل إلى قرار سياسي شجاع يضع شرطاً واحداً أمام كل اتفاقية وأمام كل مشروع: كم وظيفة سيوفر لأبنائنا؟ وكم سينقص من سعر السلعة في السوق؟ ومتى سنرى هذه الثروة على موائدنا قبل أن نراها في موانئ الآخرين.

حينها فقط ستتحول الجمرة التي تحرقنا اليوم إلى نور يضيء مستقبلنا.

وتتحول النقطة إلى نعمة تدخل كل بيت موىيتاني

أحمد سالم / عبد الرحمن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى