إنجازات المرحلة وشهادة للتاريخ حين تجتمع كفاءة الإعلامي بخبرة المسؤول، بقلم /العربي زيدان

الحسين ولد مدو.. إنجازات المرحلة وشهادة للتاريخ
حين تجتمع كفاءة الإعلامي بخبرة المسؤول، وتصبح المسؤولية فرصة للعطاء وخدمة الوطن
ليس من السهل تقييم تجربة مسؤول حكومي في بلد تتعدد فيه التحديات وتتباين فيه التطلعات، كما ليس من الإنصاف اختزال مسار رجل في المنصب الذي شغله، دون الوقوف عند ما قدمه، وما تركه من أثر، وما أضافه إلى المؤسسة التي تولى إدارتها.
ومن هذا المنطلق، فإن تجربة الدكتور الحسين ولد مدو تستحق قراءة موضوعية تستحضر طبيعة المرحلة التي تولى فيها مسؤولياته، والملفات التي أشرف عليها، والجهود التي بذلها في مجالات الثقافة والإعلام والاتصال، فضلا عن مهمته متحدثا باسم الحكومة.
إنها شهادة للتاريخ، لا تنطلق من المجاملة الشخصية، ولا تتجاهل حق النقد والتقييم، وإنما تسعى إلى إنصاف التجربة والاعتراف بما تحقق فيها من خطوات تستحق التقدير.
أولا: من الكفاءة المهنية إلى المسؤولية الحكومية
يتمتع الحسين ولد مدو برصيد أكاديمي ومهني في مجالات الإعلام والاتصال، فقد عمل صحفيا ومديرا لعدد من المؤسسات الإعلامية، وتولى منصب نقيب الصحفيين الموريتانيين، كما ترأس السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية قبل توليه المسؤولية الوزارية.
وقد منحته هذه التجربة معرفة بطبيعة الحقل الإعلامي، وإدراكا للتحديات التي تواجه الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، فضلا عن فهم العلاقة بين الإعلام والمجتمع ومؤسسات الدولة.
وعندما تولى حقيبة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، وجد نفسه أمام قطاع واسع ومتشعب، تتداخل فيه قضايا الهوية الوطنية، وصيانة التراث، وتطوير الفنون، وإصلاح المنظومة الإعلامية، وتحسين ظروف العاملين فيها.
ولم تكن المهمة مجرد إدارة قطاع حكومي، بل كانت اختبارا لقدرة الكفاءة المهنية على الانتقال من فضاء الخبرة والتخصص إلى ميدان المسؤولية العامة.
ثانيا: إصلاح الإعلام.. ملفات تتجاوز حدود الخطاب
من أبرز الملفات التي شهدت تحركات خلال المرحلة التي أشرف فيها ولد مدو على القطاع، إصلاح الإطار القانوني والمهني للإعلام، وتعزيز البنية التحتية للمؤسسات الإعلامية العمومية، والعمل على تسوية بعض الملفات الاجتماعية والمهنية العالقة.
وقد شملت الإجراءات المعلنة المصادقة على قانون الصحفي المهني، وإصدار مرسوم البطاقة الصحفية المهنية، ومضاعفة مخصصات صندوق دعم الصحافة الخاصة لتصل إلى 400 مليون أوقية قديمة، إلى جانب تسوية ملف 1865 متعاونا في الإعلام العمومي، وفق المعطيات التي نشرتها الوزارة
وهذه خطوات تستحق التوقف عندها؛ لأن إصلاح الإعلام لا يبدأ من النصوص القانونية وحدها، بل يحتاج كذلك إلى معالجة أوضاع الصحفيين، وتحسين ظروفهم المهنية والاجتماعية، وتطوير المؤسسات التي يعملون فيها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين إطلاق الإصلاح واستكماله؛ فإصدار القوانين والمراسيم يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يغني عن متابعة التنفيذ، وقياس أثره على استقلالية المؤسسات الإعلامية، وحرية الصحفيين، وقدرتهم على أداء رسالتهم المهنية في ظروف مناسبة.
فالتاريخ لا يسجل القرارات وحدها، وإنما يسجل أيضا ما أحدثته تلك القرارات من تغيير في حياة الناس وفي أداء المؤسسات.
ثالثا: الثقافة والتراث.. استعادة المكانة المستحقة
لم تقتصر ملفات المرحلة على الإعلام، بل امتدت إلى الثقافة والفنون والتراث الوطني.
وقد شهد القطاع، بحسب الحصيلة التي عرضتها الوزارة، تنظيم فعاليات ثقافية ومهرجانات في مختلف أنحاء البلاد، وإطلاق مبادرات لدعم الكتاب والنشر، والعناية بالمواقع الأثرية، وتعزيز حضور التراث الموريتاني.
كما شهدت المرحلة تنظيم أول دورة من معرض الكتاب بمشاركة دور نشر ومكتبات، وتنظيم أكثر من 81 مهرجانا ثقافيا على المستوى الوطني، في إطار توجه يرمي إلى توسيع المشاركة الثقافية وتشجيع السياحة الداخلية.
وتكمن أهمية هذه الخطوات في أنها تفتح المجال أمام النظر إلى الثقافة باعتبارها جزءا من التنمية الوطنية، وليست نشاطا موسميا أو ترفا يمكن الاستغناء عنه.
فموريتانيا، بما تمتلكه من مخزون علمي وأدبي وتاريخي، تحتاج إلى سياسات ثقافية مستدامة تحفظ ذاكرتها، وتمنح مبدعيها فرصا أوسع للإنتاج، وتتيح للأجيال الجديدة التعرف على موروثها الوطني.
ومن هنا، فإن أي تقييم منصف لهذه التجربة ينبغي أن يضع في الاعتبار الجهود المبذولة لتوسيع الفعل الثقافي، مع ضرورة مواصلة العمل حتى تصل ثمار تلك الجهود إلى مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
رابعا: الناطق باسم الحكومة.. مسؤولية الكلمة ومواجهة الرأي العام
لعل من أكثر المهام حساسية التي اضطلع بها الحسين ولد مدو مهمة الناطق باسم الحكومة؛ فهي مسؤولية لا تتعلق بمجرد نقل القرارات الرسمية، بل تتطلب القدرة على شرح السياسات الحكومية، وتقديم المعطيات للرأي العام، والتعامل مع الأسئلة والانتقادات في فضاء إعلامي متغير.
وقد استفاد ولد مدو في أداء هذه المهمة من تكوينه الأكاديمي وخبرته الطويلة في الإعلام والاتصال، وهي عناصر ساعدته على مخاطبة الرأي العام بلغة مهنية واضحة، والدفاع عن التوجهات الحكومية في المؤتمرات الصحفية واللقاءات الإعلامية.
غير أن شهادة التاريخ في هذا المجال يجب ألا تكتفي بتقييم قدرة المسؤول على إيصال خطاب الحكومة؛ بل ينبغي أن تشمل أيضا مدى إسهامه في تعزيز التواصل بين الدولة والمواطن، وتوضيح القرارات، وتقديم المعلومات التي تساعد المجتمع على فهم السياسات العامة.
فنجاح الناطق باسم الحكومة لا يقاس فقط بقدرته على الدفاع عن المواقف الرسمية، وإنما كذلك بقدرته على بناء جسور الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
وهنا تبرز أهمية تطوير التواصل الحكومي ليكون أكثر انفتاحا وشفافية، وأكثر استجابة لانشغالات المواطنين وأسئلتهم المشروعة.
خامسا: شهادة للتاريخ.. الإنصاف لا يعني المبالغة
عندما يغادر المسؤول موقعه، تبدأ مرحلة أخرى من التقييم؛ إذ تتراجع الاعتبارات البروتوكولية، ويصبح السؤال الأساسي: ماذا قدم؟ وما الذي تغير؟ وما الذي بقي بحاجة إلى الإصلاح؟
وفي حالة الحسين ولد مدو، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المرحلة التي أشرف فيها على قطاع الثقافة والإعلام شهدت تحركات في ملفات قانونية ومهنية واجتماعية وثقافية مهمة.
لكن الإنصاف نفسه يفرض القول إن هذه الإنجازات تندرج ضمن عمل مؤسسات الدولة، وإن المسؤولية السياسية والإدارية عن نتائجها تتوزع بحسب الاختصاصات والأدوار، ولا يصح نسبتها جميعا إلى شخص واحد.
كما أن الإشادة بالتجربة لا تعني اعتبارها مكتملة، أو إعفاءها من النقد، أو تجاهل تطلعات الصحفيين والمثقفين والفنانين الذين ينتظرون المزيد من الإصلاحات والفرص.
فالشهادة الصادقة ليست مديحا مطلقا، كما أن النقد المسؤول ليس إنكارا للإنجاز؛ بل إن كليهما يصبح أكثر قيمة حين يستند إلى الوقائع والنتائج.
سادسا: ماذا بعد المرحلة؟
إن انتهاء مهمة مسؤول في موقع حكومي لا يعني بالضرورة انتهاء دوره في الحياة العامة، خصوصا إذا كان يمتلك رصيدا من الخبرة والتكوين والمعرفة بالمؤسسات.
وقد أظهرت المسيرة المهنية للحسين ولد مدو تنوعا في مجالات العمل، من الصحافة والتدريس والتكوين الإعلامي إلى تنظيم القطاع السمعي البصري، ثم المسؤولية الوزارية والاتصال الحكومي.
وهذه الخبرة يمكن أن تظل رافدا للعمل الوطني، سواء من خلال الاستمرار في المجال العام أو الإسهام في تطوير المؤسسات الإعلامية والثقافية والأكاديمية.
أما الحكم النهائي على التجربة، فسيظل مرتبطا بما ستكشفه الحصيلة التفصيلية عن مدى استدامة الإصلاحات، وتحسن أوضاع العاملين، وتطور أداء المؤسسات، واتساع فرص الإبداع والتعبير.
كلمة أخيرة: الرجال بالمواقف والأثر
في نهاية المطاف، تبقى تجربة الحسين ولد مدو جزءا من مسار أوسع تسعى فيه الدولة الموريتانية إلى تطوير قطاعات الثقافة والإعلام والاتصال، وهي قطاعات لا تقل أهمية عن غيرها في بناء الدولة الحديثة وترسيخ الوعي الوطني.
وإذا كان من حق كل مسؤول أن ينال نصيبه من التقدير عندما يقدم ما يستحقه، فإن من حق الرأي العام أيضا أن يطالب باستمرار الإصلاح، ومتابعة النتائج، وتحويل القرارات إلى مكاسب ملموسة للمواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن الشهادة للتاريخ في حق الحسين ولد مدو ينبغي أن تقوم على الاعتراف بما تحقق من خطوات، وتقدير ما بذله من جهد، مع إبقاء باب التقييم الموضوعي مفتوحا أمام ما تحقق وما لم يتحقق.
فالوظائف تنتهي، والمناصب تتغير، لكن الأثر الذي يتركه المسؤول في مؤسسته، والنتائج التي يحققها للمواطن، هما ما يمنحان تجربته قيمتها الحقيقية في ذاكرة الوطن.
والتاريخ، في نهاية المطاف، لا ينصف من يمدحون المسؤول لمجرد قربهم منه، ولا من ينتقدونه لمجرد اختلافهم معه؛ وإنما ينصف من يقولون الحقيقة، ويضعون الإنجاز في حجمه، والقصور في موضعه، والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
بقلم / العربي زيدان



