الآثار الاقتصادية للعدوان العسكري الأمريكي والصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية

في الوقت الذي كانت فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية تخوض مفاوضات مع الولايات المتحدة بوساطة سلطنة عُمان، حيث أعرب معالي وزير الخارجية العُماني، السيد البوسعيدي، قبل يوم واحد من اندلاع الحرب، عن ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق بين إيران وأمريكا، فوجئ العالم بقيام دونالد ترامب—الذي كان يواجه ضغوطًا على خلفية قضية إبستين الجنائية—وبتحريض من لوبيات الكيان الصهيوني، وبناءً على حسابات عسكرية واقتصادية خاطئة وعدم إدراكه لصلابة الشعب الإيراني العريق، بشنّ عدوان عسكري غير مسبوق على إيران.
وبحسب اعتراف بيت هيغسيث، وزير الحرب في الإدارة الأمريكية، فقد تم استهداف أكثر من 15 ألف هدف داخل إيران حتى اليوم الخامس عشر من الحرب. وقد ارتكب الكيان الصهيوني والولايات المتحدة جرائم غير مسبوقة بحق الشعب الإيراني المسلم خلال شهر رمضان المبارك، شملت استهداف المدارس والمستشفيات والبنى التحتية الاقتصادية والعسكرية والإدارية، فضلًا عن استشهاد القيادة العليا. وتشير التقديرات إلى تدمير نحو 54 ألف وحدة سكنية حتى اليوم السادس عشر من الحرب.
وفي مواجهة هذا العدوان غير القانوني والوحشي والإرهابي، تمكنت القوات المسلحة الإيرانية، من خلال دفاعها الحازم وسيطرتها الذكية على مضيق هرمز، من توجيه ضربات مؤثرة للقواعد والمصالح العسكرية الأمريكية والصهيونية في غرب آسيا، مما أربك الحسابات العسكرية للعدوان. وتُعدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية أول دولة منذ الحرب العالمية الثانية تُقوّض الهيمنة العسكرية الأمريكية، ما يمنح هذه الحرب أبعادًا استراتيجية عالمية. ومع ذلك، يبدو أن التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب تفوق في أهميتها أبعادها العسكرية والسياسية.
فمع الانخفاض المفاجئ في نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، نشأت أكبر صدمة في عرض الطاقة في التاريخ الحديث. ولمواجهة هذه الأزمة، قررت الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الإفراج عن احتياطياتها الاستراتيجية، إلا أن هذه الخطوة تبدو حلًا مؤقتًا، إذ إن هذه الاحتياطيات لا تكفي سوى لتعويض نحو 20 يومًا من العجز الكامل في السوق.
في هذا المقال، نستعرض أبرز الآثار الاقتصادية لهذا العدوان على قطاعات الطاقة والزراعة والنقل والصناعة.
تأثير الحرب على الزراعة والصناعات الغذائية
لا يُعد مضيق هرمز مجرد ممر حيوي لنقل النفط، بل يلعب دورًا محوريًا في سلاسل إمداد المواد الأولية الزراعية والأسمدة الكيميائية عالميًا. إذ يمر عبره نحو 35٪ من صادرات اليوريا، و45٪ من صادرات الكبريت، و18٪ من صادرات الأمونيا عالميًا، وهي مواد أساسية لإنتاج الأسمدة.
كما أن نحو 20٪ من صادرات الغاز الطبيعي المسال (LNG) العالمية تمر عبر المضيق، مما يجعل جزءًا كبيرًا من إنتاج اليوريا العالمي يعتمد بشكل غير مباشر على هذا المسار. كذلك يعتمد إنتاج بعض الأسمدة الفوسفاتية على الكبريت المرتبط بصادرات النفط من المنطقة.
وقد أثبتت الدراسات أن ما بين 40٪ إلى 50٪ من إنتاج الغذاء العالمي يعتمد على الأسمدة الكيميائية، ما يعني أن استمرار العدوان سيؤدي إلى أزمة عالمية في تأمين هذه المواد، وبالتالي تهديد الأمن الغذائي العالمي.
ولا يقتصر التأثير على الأسمدة فقط، بل يمتد إلى منظومة الزراعة الحديثة بأكملها، التي تعتمد على الطاقة، والنقل، والبتروكيماويات، والمبيدات، ومواد التعبئة والتغليف، مما ينذر بضرر واسع في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية عالميًا.
التأثير على الصناعات البتروكيماوية والمواد الأولية
يمر عبر مضيق هرمز ما بين 20٪ إلى 30٪ من التجارة البحرية العالمية لبعض المنتجات البتروكيماوية والمواد الكيميائية الأساسية، مثل البلاستيك، والراتنجات، والميثانول، والبوليمرات.
وأي اضطراب في هذا الممر أو ارتفاع في أسعار الطاقة سيؤدي إلى خلل كبير في سلاسل الإنتاج العالمية، مع انعكاسات فورية على قطاعات البناء، وصناعة السيارات، والإلكترونيات، والخدمات اللوجستية.
التأثير على قطاع النقل والطاقة
يُعد قطاع النقل من أكثر القطاعات عرضة للتأثر، حيث يشكل وقود الطائرات نحو 25٪ إلى 30٪ من التكاليف التشغيلية لشركات الطيران، مما يجعل ارتفاع أسعار الطاقة عاملًا مباشرًا في زيادة تكاليف النقل والسياحة.
وقد يؤدي اضطراب مضيق هرمز إلى ارتفاع تكاليف النقل البري والبحري والجوي والسككي بمقدار يتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين على السفن، مما يبطئ حركة التجارة العالمية ويؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع واضطراب سلاسل الإمداد.
قطاع التعدين وصناعة البناء
تنتج منطقة الخليج العربي نحو 5 ملايين طن من الألمنيوم سنويًا، أي ما يعادل 8٪ من الإنتاج العالمي، ويُصدَّر جزء كبير منه عبر مضيق هرمز.
كما أن قطاع البناء من أكثر القطاعات تأثرًا، نظرًا لاعتماده الكبير على الطاقة. ففي صناعة الإسمنت، تمثل الطاقة نحو 30٪ إلى 40٪ من التكلفة الإجمالية، بينما تتراوح هذه النسبة في صناعة الفولاذ بين 20٪ إلى 30٪، مما يعني أن استمرار الحرب سيؤدي إلى ركود عالمي في قطاع البناء.
الخلاصة
خلال ستة عشر يومًا فقط من اندلاع الحرب، ارتفعت أسعار النفط بنحو 40٪. وفي حال استمرار الحرب أو توسعها لتشمل البنى التحتية للطاقة في غرب آسيا، فإن التداعيات الاقتصادية ستكون غير قابلة للتنبؤ.
ورغم أن القوات المسلحة الإيرانية تحاول احتواء التصعيد عبر تجنب استهداف البنى التحتية للطاقة، إلا أن المؤشرات تدل على سعي الكيان الصهيوني لتوسيع نطاق الحرب، حيث دعا يائير لابيد إلى استهداف المنشآت النفطية الإيرانية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل سيسمح العالم بأن يصبح أمن الطاقة والغذاء رهينة لقضية إبستين، ولوبيات صهيونية، وسياسات قائمة على الأوهام؟
أم أن الشعوب وقادة العالم سيتحدون لوضع حد للإرهاب والإمبريالية مرة واحدة وإلى الأبد؟
حسن عسكري
المستشار الاقتصادي بسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نواكشوط



