ترشيد اليوم… هو دفء الغد بقلم: حنان محمد سيدي

في زحمة الأيام ونحن نركض خلف تفاصيل الحياة الصغيرة قد لا ننتبه كثيرًا إلى تلك الأشياء التي تبدو عادية… ضوء نتركه مشتعلًا، جهاز يعمل بلا حاجة، أو مكيف يستهلك بصمت ما لا ندرك قيمته لكن في زمنٍ تتغير فيه موازين العالم لم تعد هذه التفاصيل بسيطة كما نظن بل أصبحت جزءًا من معادلة أكبر… معادلة اسمها: الطاقة.
العالم اليوم يعيش ظرفًا استثنائيًا ترتفع فيه أسعار النفط وتتقلب الإمدادات وتجد الدول نفسها في مواجهة تحديات غير مسبوقة وموريتاني كغيرها من الدول ليست بمنأى عن هذه التحولات ومع ذلك اختارت أن تواجه الواقع بوعي وأن تضع الإنسان في قلب المعادلة من خلال دعوة صادقة إلى ترشيد استهلاك الطاقة… لا كفرضٍ ثقيل بل كمسؤولية مشتركة
خلال الأيام الماضية جاء صوت الحكومة واضحًا ترشيد استهلاك الطاقة والمحروقات لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية فالدولة رغم محدودية إمكانيات التخزين التي لا تتجاوز بضعة أسابيع تتحمل عبئًا كبيرًا للتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار على المواطن ويكفي أن نعلم أنها تدعم كل لتر من “الغازوال” بأكثر من 200 أوقية قديمة في وقت قفز فيه سعر النفط عالميًا من 72 إلى 103 دولارات وارتفع فيه سعر طن الغازوال بشكل لافت.
لكن إلى متى يمكن أن يستمر هذا التوازن الدقيق؟
هنا يبدأ دورنا نحن ليس كأفراد بل كمجتمع يدرك أن أبسط سلوك يومي قد يكون له أثر بالغ. حين نطفئ ضوءًا لا نحتاجه نحن لا نوفر كهرباء فقط… بل نُسهم في حماية مورد، ونُخفف عبئًا، ونشارك في صناعة استقرار.
ترشيد الطاقة ليس حرمانًا ولا تقشفًا قاسيًا كما قد يُفهم بل هو شكل راقٍ من الوعي: أن نستخدم بذكاء لا بإفراط وأن نُقدّر النعمة قبل أن تتحول إلى أزمة وأن ندرك أن ما بين أيدينا اليوم قد يكون أغلى غدًا.
ولأن المرأة هي قلب البيت وروح التفاصيل اليومية، فإن دورها في هذا المسار لا يُقدّر بثمن. فمن طريقة استخدام الأجهزة إلى ترسيخ سلوكيات الوعي لدى الأبناء تبدأ حكاية الترشيد الحقيقية حكاية لا تُكتب بالقرارات فقط، بل تُصنع في البيوت بهدوء واستمرار
وفي المقابل تواصل الدولة جهودها ليس فقط في الدعم بل في البحث عن بدائل أكثر استدامة من خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة التي قد تشكل أملًا حقيقيًا لمستقبل أكثر توازنًا غير أن هذا المستقبل مهما كان واعدًا يظل رهين وعي الحاضر.
في النهاية ربما لا نستطيع تغيير أسعار النفط العالمية ولا التحكم في تقلبات الأسواق لكننا نستطيع أن نُغيّر سلوكنا وأن نكون أكثر وعيًا وأكثر مسؤولية، وأكثر حرصًا
لأن ترشيد اليوم ليس فقط لتجاوز أزمة ،بل هو وعدٌ صامت بأن يكون الغد أخفّ عبئًا… وأجمل.



